عُرِف العرب منذ جاهليتهم الأولى، باحترام العدو وإنزاله المنزلة التي يستحقها، وكان ذلك نابعا من احترامهم لأنفسهم الكريمة آنذاك .. ولم يكن العرب يعادون أو يحاربون إلا من يستحق العداء والمحاربة، كما اشترطوا في هذا الأمر أن يكون العدو نداً في القوة والشجاعة والكرم والحسب والنسب وكل ما إلى ذلك من أمور، ولنا في أبيات وقصائد الشعر الجاهلي دلالات متعدده على إبراز العرب للخصائل الحميدة في أعدائهم وخصومهم !
بل ان مجمل تراثنا العربي من شعر وحكايا وسير، يعتمد ذات النهج في منح العدو حقه من التقدير والاحترام، وأتصور أنهم كانوا أحياناً يبالغون في مديح الأعداء من أجل تبيان أنهم ينتصرون على هؤلاء رغم قوتهم وبطولتهم، سواء كان الأعداء عرباً مثلهم أم من أوباش الفرس والأعاجم .. وفي واقع الأمر، لا أعرف تحديداً متى تخلت العرب عن هذه العادات الحميده، هل تم ذلك الأمر في عصر السلاجقة؟ أم في عهد الأيوبيين .. المماليك .. العثمانيين؟ أم العربان اللاحقة لتلك العهود الماضية؟ إلا أن الأمر المؤكد .. هو أن بداية التخلي عن عادة تقدير العدو ارتبطت عاطفياً ومعنوياً، بمدى احترامنا نحن لأنفسنا.
فمنذ أن تخلى المعتصم عن معظم صلاحياته لأخواله الترك، والتي مهدت فيما بعد إلى الانهيار التدريجي لسيطرة العنصر العربي على مقاليد الحكم، من ذلك الوقت أصيب العرب بالإحباط والاكتئاب الجماعي، ولجأوا إلى الحيل النفسية من نكوص وإسقاط من أجل التبرير لأنفسهم ولوم الآخرين، حتى لا يعترفوا بالمشكلة ولا يلوموا أنفسهم، ما حداهم إلى تتفيه وتحقير أعدائهم، حتى لا يحقروا ويتفهوا أنفسهم، وهذا بالضبط ما بدر من التافه الذي حقر نفسه بنفسه عندما احتقر خصومه اليومه، ورفاقه وزملاء دربه بالأمس عبر تأليف كتابه المعنون بـ (سر المعبد) في إشارة منه إلى مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين التي كان ينتمي إليها في يوم من الأيام.
فهو اليوم وإن كان يراهم خصوما له، واعداء للأمة على حد تعبيره، فقد كان من الحريّ به أن يذكر على الأقل الخصال الحميدة التي كان يتصور تحليهم بها عندما كان مخدوعاً بهم، وذلك من باب تحذير الأمة من الوقوع بهذا الشَرَكَ من جهة، ومن باب احترام النفس والمصداقية في النقل والموضوعية من جهةٍ أخرى، إلا أنه عمد إلى تجاهل هذه النقطة المهمة والمحورية، محتقراً عقلية القارئ بتجريده من مجرد التفكير حول حقيقة أو امكانية وجود تلك الخصال من عدمها !
تعتبر قاعدة الاقصاء والاستبعاد السياسي، والتي ينتهجها العديد من الساسة والحكام من أقدم القواعد السياسية في الحكم على مر الأزمنه والعصور، ولا أبالغ إذا ما قلت انها موجودة ومتداولة منذ ما يعرف بعصور ما قبل التاريخ، وبدلالة إقصاء الملك حمورابي لأعمامه وبعض المقربين منه عندما وصل إلى سدة حكم بابل آنذاك، كما أن تاريخ إمبراطوريتي الفراعنة والرومان السياسي يعج بحوادث أخرى مماثلة .. وقد طبقت هذه القاعدة وتم تداولها كثيراً في عهد الدولة الإسلامية، كعزل الفاروق لخالد بن الوليد ما إن استلم مقاليد الخلافة، وكتنحية عثمان بن عفان لعمرو بن العاص عن ولاية مصر، وإصرار أمير المؤمنين علي على استبعاد معاوية عن ولاية الشام، وكإقالة معاوية للمغيرة عن ولاية العراق و و و و .. إلخ !
أياً كانت الدوافع وراء هذه السياسة التي لا يشعر بوقع ظلمها سوى من ينتهي بهم المطاف خلف الكواليس السياسية كأبطال في الظل وبعيداً عن الاضواء عند إتمام الهدف واكتمال المهمه والوصول إلى الغايه المرجوه، فحتماً هناك أسباب مُقنعه ومنطقية لا يعلمها سوى منتهجيها عند ممارستها، وهذا ما لا يستوعبه أو يتقبله المتسلقون أشباه الزبلاوي، فتجدهم يتقافزون كالقرود ثائرين على واقع منع أنفسهم المريضه عن ما تصبوا إليه، وذلك عبر تأليف الكتب وصياغة المقالات وعقد الندوات والمحاضرات التي تثبت وبصورة قطعيه صواب استبعاد هذه النماذج الفاشلة!
للأسف الشديد .. يتهرب بلا استثناء جميع من يروا في أنفسهم أنداد أو اعداء لجماعة الإخوان المسلمين من قضايا ومعارك الأمة الفكرية، وحتى العسكرية بذات النهج والطريقة، فلا نرى في ردودهم واتهاماتهم لخصومهم أساليب وطرق منطقية، أو حتى حجج لمحاولات إقناع هؤلاء الخصوم بوجهات نظرهم، بل إنهم لم يتكبدوا عناء التطرق إلى المشكلة الحقيقية أصلاً، إذ يعمدون إلى تجاهلها فيشرعون في تشويه صورة الخصوم، على عكس عادات العرب عندما كانوا يحترمون أنفسهم .. وأنا لا أطلب ولن أطالب بتقدير الأعداء أكثر من اللازم، ولن أطالب بالتعاطي معهم إذا لم يكن هناك ضرورة ملحه لذلك، بل أتمنى عليهم البحث عن آليات جديدة في خوض معاركهم، لأن شتم الآخر وتحقيره لن يوصلهم إلى أي نتيجة، بل يجعل من عدوهم أكثر قوة، لأنهم سيفقدون في ذات الوقت موضوعيتهم وبصيرتهم !
لمحة : فضيلة الزبلاوي .. الأنداد في القاهرة .. والخصوم في طهران .. والأعداء في تل أبيب .. فـ فضلاً لا أمراً، شوية احترام بس .. لنفسك ولعقلياتنا !
أضف تعليق